عبد الرحمن السهيلي

170

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

فقالت : أبطل جهاده ، ولم تقل صلاته ولا صيامه ، لأن السيئات لا تحبط الحسنات ، ولكن خصت الجهاد بالإبطال ، لأنه حرب لأعداء الله ، وآكل الربا قد أذن بحرب من الله ، فهو ضده ، ولا يجتمع الضدان ، وهذا معنىً ذكره أبو الحسن بن بطال في شرح الجامع ، وتلك المسألة مذكورة في المدونة ، لكن إسنادها إلى عائشة ضعيف . وفاة أبي طالب ووصيته ذكر ابن إسحاق وفاة أبي طالب إلى آخر القصة ، وفيها قال العباس : والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم أسمع . قال المؤلف : شهادة العباس لأبي طالب لو أداها بعدما أسلم ، لكانت مقبولةً ، ولم يرد بقوله لم أسمع ، لأن الشاهد العدل إذا قالت : سمعت ، وقال من هو أعدل منه : لم اسمع أخذ بقول من أثبت السماع ، لأن عدم السماع يحتمل أسباباً منعت الشاهد من السمع ، ولكن العباس شهد بذلك قبل أن يسلم مع أن الصحيح من الأثر ، قد أثبت لأبي طالب الوفاة على الكفر والشرك وأثبت نزول هذه الآية فيه : « ما كان لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أن يَسْتَغْفِروا لِلْمُشْرِكين » التوبة وثبت في الصحيح أيضاً أن العباس قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ، ويغضب لك ، فهل ينفعه ذلك ؟ قال : نعم وجدته في غمرات من النار ، فأخرجته إلى ضحضاح وفي الصحيح أيضاً من طريق أبي سعيد ، أنه عليه السلام قال : لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة ، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه وفي رواية أخرى : كما يغلي المرجل بالقمقم ، وهي مشكلة ، وقال بعض أهل العلم : القمقم : هو البسر الأخضر يطبخ في المرجل استعجالاً لنضجه ، يفعل ذلك أهل الحاجة ، وفي رواية يونس عن ابن إسحاق زيادة ، وهي أنه قال : يغلي منها دماغه حتى يسيل على قدميه ، ومن باب النظر في حكمة الله ، ومشاكلة الجزاء للعمل أن أبا طالب كان مع رسول الله بجملته متحزباً له ، إلا أنه مثبت لقدميه على ملة عبد المطلب ، حتى قال عند الموت : أنا على ملة عبد المطلب ، فسلط العذاب على قدميه خاصةً لتثبيته إياهما على ملة آبائه ، ثبتنا الله على الصراط المستقيم . وذكر قول الله تعالى : « ما كان للنَّبيِّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين » التوبة وقد استغفر عليه السلام يوم أحد فقال : اللهم اغفر لقومي ، فإنهم لا يعلمون ، وذكر حين جرح المشركون وجهه وقتلوا عمه . وكثيراً من أصحابه ، ولا يصح أن تكون الآية نزلت في عمه ناسخةً لاستغفاره يوم أحد ، لأن وفاة عمه كانت قبل ذلك بمكة ، ولا ينسخ المتقدم المتأخر ، وقد أجيب عن هذا السؤال بأجوبة : أن قيل : استغفاره لقومه مشروط بتوبتهم من الشرك ، كأنه أراد الدعاء لهم بالتوبة حتى يغفر لهم ويقوي هذا القول رواية من روى : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، وقد ذكرها ابن إسحاق ، رواها عنه بعض رواة الكتاب بهذا اللفظ ، وقيل : مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا في المسخ والخسف ، ونحو ذلك ، ووجه ثالث ، وهو أن تكون الآية تأخر نزولها ، فنزلت بالمدينة ناسخةً للاستغفار للمشركين ، فيكون سبب نزولها متقدماً ، ونزولها متأخراً لا سيما ، وهي في سورة براءة وبراءة ، من آخر ما نزل ، فتكون على هذا ناسخةً للاستغفارين جميعاً ، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أبي طالب عند موته ، وعنده أبو جهل ، وعبد الله بن أبي أمية ، فقال : يا عم قل : لا إله إلا الله كلمةً أشهد لك بها عند الله ، فقال له أبو جهل وابن أبي أمية : أترغب عن ملة عبد المطلب ، فقال أنا على ملة عبد المطلب ، وظاهر الحديث يقتضي أن عبد المطلب مات على الشرك ، ووجدت في بعض كتب المسعودي